المقريزي
111
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الخلجان ففاض الماء ، وساح وغمر القيعان والبطاح ، وانضم الناس إلى أعالي مساكنهم من الضياع والمنازل وهي على آكام وربا لا ينتهي الماء إليها ولا يتسلط السيل عليها ، فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها ريثما يبلغ الحدّ المحدود في مشيئة اللّه عز وجل له ، وأكثر ذلك يحوم حول ثماني عشرة ذراعا ، ثم يأخذ عائدا في صبه إلى مجرى النيل ومسربه ، فينضب أوّلا عما كان من الأرض عاليا ويصير فيما كان منها متطامنا ، فيترك كل قرارة كالدرهم ، ويغادر كل ملقة كالبرد المسهم . وقال القاضي أبو الحسن عليّ بن محمد الماورديّ « 1 » في كتاب الأحكام السلطانية : وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبع ، وأوّل من وضعها أمير المؤمنين هارون الرشيد قدّرها بذراع خادم أسود كان على رأسه قائما ، وهي التي تتعامل الناس بها في ذرع البز والتجارة والأبنية ، وقياس نيل مصر . وأكثر ما وجد في القياس من النقصان سنة سبع وتسعين ومائة وجد في المقياس تسعة أذرع وأحد وعشرون أصبعا . وأقل ما وجد منه سنة خمس وستين ومائة فإنه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع ، وأكثر ما بلغ في الزيادة سنة تسع وتسعين ومائة فإنه بلغ ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا ، وأقل ما كان في سنة ست وخمسين وثلاثمائة الهلالية فإنه بلغ اثني عشر ذراعا وتسع عشرة أصبعا ، وهي أيام كافور الإخشيدي . والمقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه ، وهذا العمود مفصل على اثنين وعشرين ذراعا ، كل ذراع مفصل على أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع ما عدا الاثني عشر ذراعا الأولى ، فإنها مفصلة على ثمان وعشرين أصبعا كل ذراع . وقال المسعوديّ : قالت الهند : زيادة النيل ونقصانه بالسيول ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار . وقالت الروم : لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته ، ونقصانه من عيون كثرت واتصلت . وقالت القبط : زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه يراها من سافر ولحق بأعاليه . وقيل : لم يزد قط وإنما زيادته بريح الشمال إذا كثرت ، واتصلت تحبسه ، فيفيض على وجه الأرض . وقال قوم : سبب زيادته هبوب ريح تسمى ريح الملتن ، وذلك أنها تحمل السحاب
--> ( 1 ) من العلماء الباحثين أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة ، أقضى قضاة عصره . ولي القضاء في بلدان عديدة . ولد سنة 364 ه وتوفي سنة 450 ه . الأعلام ج 4 / 327 .